لعل من عرفوا السياسية بأنها "فن الممكن" أدركوا بثاقب نظرهم أن الثبات على المبدأ غير ممكن، فكانت قاعدتهم تلك مسوغا جاهزا لكل سياسي يريد التخلي عن موقف عرف به أو التملص من رأي نسب إليه، لقاء متاع عاجل أو عِدة آجلة، وحتى لا نقدم لساستنا طلبا تعجيزيا فإننا لا نطلب منهم البقاء حيث هم؛ ولكننا نلتمس منهم أن يُبقوا قدر ملعقة من ماء وجوههم، وأن لا يمارسوا -أيامنا هذه- هوايتهم المفضلة في قدح من كانوا يمدحونه بالأمس أو مدح من كانوا يقدحونه.. فقد كفانا سفورا ونفاقا وتناقضا تشهد عليه الشاشة ويرويه الراديو؛ وليتذكروا جميعا -وقد أظلهم موسم الهجرة والترحال- أنه "يمشي عن الدار من لم يحرق الزربا".