قليلة وعابرة تلك اللحظات التي تغمرنا فيها السعادة فنتملى ذلك البريق السحري يضيء بعض المساحات المعتمة من زمننا الجاحد وآننا القلق، ومن اللحظات تلك ما عشناه من تصالح ارتدى فيه ثوب الوئام أبناء هذا الوطن الواحد بعد أن عبثت بريحهم النوازع والأهواء وتخرمت وحدتهم المطامع والمطامح ولا يضير ذلك الثوب أنه فصل وصمم جنوب النهر؛ بل إن من الشهامة أن نعترف بالجميل لليد الصناع التي أبت إلا أن تخرجه سترا ضافيا تواري به نخبنا سوأتها بعد أن خصفت عليها آخر الأوراق.
شكرا للجارة السنغال، ولرئيسها حكيم إفريقيا عبد الله واد، ووزير خارجيته المتألق.. على ما كابداه من عناء في التأليف بين ضبنا ونوننا؛ ضاربين مثالا للأخوة والوداد الحق:
إن أخاك الحق من يسعى معك ** ومن يضر نفسه لينفعك
ومن إذا ريب الزمان صدعك ** شتت فيك شمله ليجمعك
شكرا للوسطاء بأسمائهم وألقابهم، بدولهم ومجموعاتهم.. على هذا الإنجاز الرائع الذي وضع صوة ومعلمة على طريق ديمقراطيتنا الوليدة بعد أن طمستها عواصف يوم عصيب.
شكرا للأدلاء الذين لم يستسلموا لليأس ولم يبتلع بُعْدُ الشقة ذماء أملهم ولم يمنعهم ورد السراب –المرة بعد المرة- من استشراف المغتسل البارد والشراب.
شكرا للرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله الذي ترك الكل ليستبقي الكل، ترك السلطة والتنفذ ليستبقي موريتانيا، ولأنه يعلم من أين تؤكل الكتف فقد اختار من اختارته ذات يوم.. اختار موريتانيا ولم يرد لها أن تضيع في منازلة وقودها وحدة الشعب وانسجامه.. اختار موريتانيا ولسان حاله ينشد في غرمائه:
جزت رحم بيني وبين مُنازل ** جزاء كما يستنزل الدين طالبه
...وربيته حتى إذا ما تركته ** أخا القوم واستغنى عن المسح شاربه
.. وجمعتها دهما جلادا كأنها ** أشاء نخيل لم تقطع جوانبه
إلى أن رآني أبصر الشخص أشخصا ** قريبا وذا الشخص البعيد أقاربه
فأخرجني منها سليبا كأنني ** حسام يمان فارقته مضاربه
شكرا له.. وماذا ضره وقد رجع بموريتانيا في رحاله.
شكرا للجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية التي أثبتت أن التنوع في التوحد أمضى سلاح في مواجهة التحديات.
شكرا لها على إلقائها التباين الأيديولوجي والاختلاف المنهجي وراء ظهرها؛ ميممة شطر الألفة والانسجام صامدة في وجه زعازع القيل والقال ينشد كل رئيس دوري لها:
فلا وأبيك ابنة العامري ** لا يزعم القوم أني أفر
تميم ابن مر وأشياعها ** وكندة حولي جميع صبر
شكرا لزعيم المعارضة الديمقراطية الذي لزم حين عرف، وبقي ثابتا محدقا في مواكب الهجرة وكأنما عناه ابن الحسين بقوله:
وقفت وما في الموت شك لواقف ** كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ** ووجهك وضاح وثغرك باسم
شكرا له على قبوله –من أجل موريتانيا- أن ينازل من لدغ من جحرهم مرتين.
شكرا للجنرال محمد ولد عبد العزيز الذي قبل أن يظمأ وبيده أعنة الخيل وهو ينظر إلى الفرات!
شكرا له على تضحيته الجسيمة من أجل هذا الوطن.
شكرا له على بوحه بكلمة السر التي فتحت لموريتانيا آفاق الديمقراطية والاستقرار، وكأني به وقد انجلى غبار التجاذبات وهو ينظر إلى خصومه في شيء من الإنصاف قائلا:
ولم أر قوما صابروا مثل صبرهم ** ولا مثلنا يوم التقينا فوارسا
أشد وأحمى للحقيقة منهم ** وأضرب منا بالسيوف القلانسا
ماذا يضير الجنرال إذا رجع وفي رحاله موريتانيا!
شكرا لهم جميعا وهنيئا لموريتانيا.