GIF - 61.6 كيلوبايت
الصفحة الرئيسية الأخبار افتتاحية تحقيقات ريبورتاجات تحليلات مقابلات تقارير آراء زوايا السفير PDF مركز الأرقم ملفات

هل ينهي العسكر عقوداً من البؤس في أحياء الفقراء بانواكشوط؟

أعلنوا الحرب على الإهمال والفوضى وتعهدوا بحل مشكلة مزمنة أعيت الحكومات السابقة

الأحد 23 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008

الجنرال ولد عبد العزيز أول رئيس موريتاني يزور هذه الأحياء ويدخل أكواخها

- "الراية" القطرية

في مساكن مؤقتة مصنوعة من الخشب والصفائح المعدنية، أقام فقراء موريتانيا الزاحفون على عاصمتهم الجديدة منذ أوائل السبعينيات من القرن الماضي بفعل عوامل الجفاف والتصحر التي أهلكت مواشيهم، واكتسحت مزارعهم، فتقاطروا إلى العاصمة انواكشوط رغبة في حياة أفضل، واحتلوا المساحات العمومية دون إذن من السلطات التي غضت الطرف عنهم وتفهمت ظروفهم؛ لكنها تركتهم عشرات السنين في واقع بائس للغاية، وأصبحت تعدهم من حين لآخر بتسوية أوضاعهم، وتشريع ملكية تلك المساحات، التي أقام عليها هؤلاء المواطنون مساكن مؤقتة في انتظار تخطيط عمراني، يعدهم الساسة به في حملاتهم الانتخابية، طمعا في الحصول على أصواتهم، دون أن يتم الوفاء بأي من تلك الوعود التي لم تعد تثير انتباه أحد.

وإذا كانت سلطات انواكشوط بدأت قبل أكثر من عام إحصاء سكان بعض تلك الأحياء العشوائية وتوزيع عدد من القطع الأرضية عليهم، فإن تلك العملية بقيت بطيئة ومحدودة النطاق، لكن بعض السكان يعلق اليوم آمالا يعتبرها جدية على الزيارات المتعددة التي أداها الجنرال محمد ولد عبد العزيز إلى بعض تلك الأحياء خلال الأسابيع الماضية؛ والتي وعد خلالها سكان تلك الأحياء بتسوية أوضاعهم وتسخير إمكانيات الدولة لحل مشكلاتهم.


"الراية" دخلت إلى بعض هذه الأحياء الفقيرة في العاصمة الموريتانية ورصدت بعض ظواهر الحياة فيها واستطلعت أوضاعها وآراء سكانها حول آلامهم الحالية وآمالهم المستقبلية.

يطلق على هذه الأحياء محليا اسم "الكزره" وهي مشتقة من القسر، ربما لأن سكانها حصلوا عليها بدون إذن رسمي، وتشكل هذه الأحياء حزاما من الفقراء، وخزانا انتخابيا يسيل لعاب السياسيين في الحملات الانتخابية، حيث تباع أصوات الناخبين في هذه المناطق بأبخس الأثمان.

ويقدر عدد السكان في أحياء الانتظار بانواكشوط بمئات الآلاف، كما تقدر فيها نسبة من يعيشون تحت خط الفقر بأكثر من 70% وهم يعيشون حياة قاسية، لكنهم يبدون راضين وسعداء بما هم فيه.

تقول مريم (60 سنة) وهي ربة أسرة من سكان هذه الأحياء في مقاطعة عرفات بانواكشوط: "نحمد الله على ما نحن فيه، نحصل على معاشنا بطرق شتى، وإن كان زوجي عاطلا عن العمل، ونعول أطفالنا السبعة وبينهم بنات، إلا أننا نجد مساعدات من بعض الأقارب وأصحاب النوايا الحسنة".

وحول طول انتظار هؤلاء لوعود السلطات المتعاقبة، تقول عائشة (30 سنة) وهي أرملة تعيش مع أبنائها ووالدتها المقعدة: "نحن هنا في هذه المساكن منذ الثمانينيات من القرن الماضي، وقد وصلنا هنا من الريف وأنا صغيرة جدا، وما زلنا ننتظر تسوية هذا المشكل، وتخطيط الكزرة، ومن وقت لآخر تسري شائعات بأن المخططين سيبدؤون بعد يوم أو يومين، لكن في النهاية لا نجد شيئا.

وقد سمعنا أخيرا أن الرئيس الجديد زار أحد أحياء هذه الكزرة ووعد بالقضاء الكلي على هذه الظاهرة ونحن ننتظر".

استعداد لطي محنة عقود من النسيان

وخلال جولتنا في "الحي الساكن" بدا سكانه أكثر حركية ونشاطا وهم يترقبون قدوم الجرافات لفتح الشوارع داخل الحي، بعد أن تم إحصاؤهم من طرف لجان مختصة من وزارة الإسكان والعمران، وقد أصبح عدد من السكان مقتنعا بإمكانية ترحيله إلى قطعة أرضية أخرى خارج الحي، وذلك بسبب وجود مسكنه الحالي داخل ساحة أو شارع عمومي.

محمد عبد الفتاح (40 سنة) مواطن من سكان الحي المذكور قال إنهم يتوقعون فعليا الشروع في إنهاء معاناتهم بعد شهر أو اثنين.

لكن عددا آخر من سكان هذا الحي ما زال يشك في جدية السلطات في متابعة العملية حتى النهاية؛ وذلك لطول انتظارهم في غياهب النسيان لأكثر من 30 سنة خلت، وتخشى السلطات أثناء عملية توزيع أراضي "الحي الساكن" من توافد أسر جديدة من أحياء أخرى واستيطانها هناك طمعا في الاستفادة من الحصول على قطع أرضية إضافية؛ وهذه الخشية هي ما دفع السلطات إلى أن ترابط بفرق عسكرية من الحرس الوطني في أطراف الحي.

أحياء الانتظار.. تنتظر تنفيذ تعهدات العسكريين

وكان الجنرال محمد ولد عبد العزيز قد فاجأ الجميع مؤخرا بزيارة ميدانية لحي منسي في وسط العاصمة بمحاذاة مطار انواكشوط من الشمال الشرقي وهو من أقدم الأحياء العشوائية وأفقرها في انواكشوط، يحمل "اسم الحي الساكن" وقد تعهد الجنرال عزيز لسكان الحي بالمضي في حل سريع لمشكل تقسيم مساحاتهم الأرضية وشروع الدولة في تخطيط عمراني يغير الوجه العمراني لحيهم المهمش.

وإذا كانت زيارة رئيس المجلس العسكري الحاكم تلك، قد مثلت فاتحة أمل لبقية أحياء الصفيح في العاصمة الموريتانية؛ والتي زار القائد العسكري بعضها لاحقا، إلا أن شيئا ملموسا لم يتم تنفيذه حتى الآن في اتجاه التخطيط العمراني، إلا في "الحي الساكن" الذي بدأت السلطات في إحصاء سكانه وترقيم مساكنهم، وذلك على أساس أوامر من الرئيس ولد عبد العزيز بعد أن زاره مباشرة، فتم إحصاء جميع سكانه وترقيم مساكنهم التي هي -في أغلبها- من الأخشاب، تمهيدا لشق الطرق بالحي وتخطيطه وإدخال تمديدات الماء والكهرباء له بشكل رسمي، وقد أكد ذلك من جديد الرئيس ولد عبد العزيز نفسه قبل أيام في زيارة مماثلة له إلى حي "الدار البيضاء" بمقاطعة الميناء جنوب العاصمة حيث قال: "ستتم تسوية مشكلة ماء الشرب، كما سنعمل على تخفيض سعره -خاصة في الأحياء الهامشية- فليس من المعقول أن يباع طن الماء بما بين 2000 و2500 أوقية في هذه الأحياء، بينما يتراوح سعره بين 200 و180 أوقية للطن في تفرغ زينه التي يعيش فيها الناس الأقل احتياجا. رغم أن معظم الموريتانيين يعاني الفقر بسبب سوء التسيير، أؤكد لكم أن هذا الوضع سيتغير -بحول الله- في أسرع وقت، وأننا -فيما يخص الصحة- لن نألو جهدا في سبيل مساواة جميع المواطنين، فقراء وأغنياء، في النفاذ إلى الخدمات الصحية التي ستصل إلى أماكن لم تصلها من قبل".

ثم أضاف ولد عبد العزيز قائلا: "سنعمل على إيصال الكهرباء إلى أحياء انواكشوط كلها في المستقبل، وسيتم الوفاء بما تعهدنا به -بإذن الله- ولدينا الإمكانيات لذلك".

من جانبه قال محمد ولد معاوية وزير الداخلية واللامركزية إن "الخطاب والممارسات السياسية للمجلس الأعلى للدولة الحاكم في انواكشوط منذ السادس من شهر أغسطس الماضي، يمثلان قطيعة مع الماضي القائم على الوعود الوردية وزخرف القول بما يخدر الشعوب سنوات -بل عقودا- كما حدث مع ساكنة الحي الساكن بمقاطعة دار النعيم في انواكشوط".

وأكد وزير الداخلية أن الدولة الموريتانية "عبأت -وبشكل ذاتي- الإمكانيات البشرية والمادية اللازمة لهذه الخطة، ولن تقبل أي تلاعب أو إخلال بتنفيذها، حتى يتم إنجازها على الوجه الأكمل".

واستنهض وزير الداخلية لتحقيق ذلك القيم الإسلامية والروح الوطنية لدى ساكني الحي للتعاون مع السلطات الإدارية؛ مهيبا باللجان الفنية متعددة القطاعات القائمة على هذه العملية "أن تضاعف الجهود لأن العملية لا بد أن تكتمل وفق البرمجة المحددة ومن غير خطأ". كما كشف ولد معاوية النقاب عن أن حكومته قامت بمجرد تسلمها التعليمات بتأهيل هذا الحي، بتشكيل لجنة وزارية برئاسة الوزير الأول لمتابعة تنفيذ العملية لتتم الدراسات اللازمة وترصد الإمكانات البشرية والمادية الضرورية وهذه سابقة تذكر فتشكر في تقاليد العمل الإداري الموسوم عادة بالبطء والرتابة والروتينية. وطمأن الوزير الموريتاني جميع سكان أحياء الصفيح بأن هذه العملية ستعم كافة هذه الأحياء؛ مؤكدا أن الحكومة عاقدة العزم على حل مشكلات المواطنين متسلحة بهدي كلمتين اثنتين هما: العمل والعدل.

وبدوره أكد محمد ولد عبدي العمدة المساعد لبلدية دار النعيم، أن مواطني بلديته يشعرون بالارتياح والسرور، لوفاء رئيس الدولة بوعده؛ موضحاً أن هذه العملية يجب أن تكون حدا فاصلا بين مرحلة من البؤس دامت أكثر من 30 سنة ومرحلة من الطمأنينة والاستقرار.

وتتم عملية إحصاء الحي الساكن عبر توزيعه إلى ثمانية قطاعات يتولى الإحصاء فيها وكيلا إحصاء وممثلان منتدبان عن السكان تعززهم وحدة من الأمن لفرض الانضباط واحترام القانون ومنع الفوضى وردع المسلكيات البائدة التي يمكن أن تعوق عمل هذه الفرق.

ويتوقع أن يشمل إحصاء سكان "الحي الساكن" أكثر من 5000 وحدة سكنية وقال محمد الأمين ولد مولاي الزين والى انواكشوط (السابق) إن عدد الأسر التي تم إحصاؤها في منطقة "الحي الساكن" بدار النعيم قد بلغت 5000 وحدة سكنية، مؤكدا في الوقت ذاته أن الإحصاء لم يستثن أي مستحق ولم يسجل أي تجاوز. وأشار ولد مولاي الزين إلى أن سكان هذا الحي الذين لم تستوعبهم القطع الأرضية المتوفرة، سيتم تحويلهم إلى مناطق إيواء مجهزة بكافة الخدمات الضرورية من ماء وكهرباء ومؤسسات مدرسية.

ظواهر وخفايا من حياة "الكزرة"

بانعدام الإنارة فيها وغياب الشوارع، ومع استمرار حياة الحرمان والتهميش التي يعيشها سكان الأحياء العشوائية المنتشرة في نواحي العاصمة الموريتانية، تحولت هذه المناطق، إلى موطن للجريمة، حيث ينشأ الكثير من أطفالها في ظروف التشرد وارتياد محلات أشرطة الفيديو التي تعرض أفلاما أجنبية تصور مختلف أصناف الجرائم، فيتخرج العديد من شبان هذه الأحياء مجرمين محترفين، ينفصلون عن ذويهم في وقت مبكر، وينعزلون مع رفاقهم في غرف يقومون باستئجارها ويتخذون منها منطلقا لهم في عمليات السطو والسرقة التي يمارسونها غالبا خلال ساعات متأخرة من الليل، وغالبا ما يفضلون مثل هذه الأحياء لارتكاب جرائمهم، حيث تنعدم الإنارة، وتقل البيوت الحصينة.

تقول السيدة م. ي (50 سنة): "أظل طوال اليوم في عمل متواصل، أبيع الخضراوات، وعندما أعود للبيت في المساء أكون منهكة، وأخلد في نوم عميق.. لدي 3 بنات أكبرهن عمرها عشرون سنة، أما رب الأسرة فهو رجل مسن لا يكاد يقوى على القيام بمفرده، وفي إحدى الليالي أحسست بحركة غير طبيعية داخل البيت، فاستيقظت وجلست، فإذا إنا أمام شاب يتحرك داخل البيت، فبدأت أصرخ بأعلى صوتي، فأسرع عدد من الجيران لنجدتي وانطلق المجرم هاربا، ولم نستطع الإمساك به".

أما الظواهر الاجتماعية الأخرى التي بدأت تنتشر خلال السنوات الأخيرة، في أحياء العشوائيات بانواكشوط، فمنها ما يعرف بالزواج السري، حيث يكون معظم هذه الحالات غير معلن؛ إما لأن أحد الطرفين أوكليهما يرغبان في ذلك، فقد يكون الزوج متزوجا من أخرى لا تقبل بالتعدد، وقد يكون فارق السن بين الطرفين سببا في تكتم المرأة على الموضوع خوفا من سلطة المجتمع.. إلى غير ذلك من الأسباب المختلفة.

لكن الأمر لا يخلو من سلبيات؛ فمثل هذا الزواج لا يتم تسجيله لدى السلطات؛ بل يكتفى بإحضار الولي والشهود إلى إمام المسجد المجاور، وقد يكون الزوج في بعض الأحيان غير معروف بشكل كاف.

ومن القصص الطريفة التي تنتشر في هذا الإطار ما حصل قبل أسابيع، لسيدتين تسكنان في بعض هذه الأحياء. إحدى السيدتين، في الخمسينيات من عمرها، تسكن منفردة مع ابنتها، وقد تقدم إليها شاب ادعى أنه يعرفها مسبقا، وقد وافقت وتوجهت معه للمسجد المجاور. وتم العقد دون أن تتسلم منه أي مهر؛ كما أنها لم تطلع على بطاقة هويته للتأكد من صحة معلوماته، وبعد ثلاث ليال على عقد القران -ودون أن يقدم أي مهر- استولى على هواتفها النقالة وبعض مدخراتها، واختفى دون وداع.

أما السيدة الأخرى فهي في الستينيات من عمرها، تزوجت شابا عاطل عن العمل، وكانت تنفق عليه في أغلب الأوقات، وبعد فترة تلقت مساعدة مالية من أحد أقاربها المحسنين بلغت حوالي 200 دولار، فما كان من الزوج العاطل إلا أن استولى ليلا على ذلك المبلغ من تحت وسادة زوجته، وخرج لسبيله دون أن تعثر له على أثر.

هذان نموذجان من أسرار وخفايا سكان هذه الأحياء الفقيرة التي لم تتمكن حكومات موريتانيا المتعاقبة من أن تضع حدا لمعاناتهم المستمرة، بتوفير قطع أرضية صالحة للسكن تتوفر على خدمات المياه والكهرباء والتعليم والصحة وغيرها من الحاجات الملحة؛ وهو ما يمكن أن يسهم في الحد من تنامي الجريمة وغيرها من الظواهر الاجتماعية الضارة.

ويبقى الأمل معقودا على وعود حكام موريتانيا الجدد الذين بدؤوا يتحركون باتجاه إنجاز شيء ما لصالح هؤلاء السكان، لكن الأسابيع والشهور المقبلة هي وحدها التي ستقدم الإجابة الشافية فيما يتعلق بجدية تلك الالتزامات، والقدرة على تجسيدها على أرض الواقع.

عودة للصفحة الرئيسية

آخر الإضافات

بيجل ولد هميد رئيس حزب الوئام: "من الخطأ وضع جميع الحراطين في سلة واحدة!"


عبد الله ولد محمدُّ يشخص مكامن خلل الصحافة.. ويحدد "الطريق إلى الإصلاح"


موت شاب غرقا في روصو


اكتشاف جثة في منزل بالعاصمة


سعيد جنيت في انواكشوط.. حراك سياسي لإطلاق حوار بين أطراف الساحة السياسية




GIF - 112.2 كيلوبايت